عبد الشافى محمد عبد اللطيف

261

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

البصرة والكوفة إلى خراسان « 1 » ، كان لهم أكبر الأثر في إقبال الفرس على الإسلام في حرية تامة ودون إكراه « 2 » . لم تتغير سياسة معاوية طوال العهد الأموي ، وأثمرات ثمارا طيبة وتحولت غالبية الشعب الفارسي إلى الإسلام ، بل إن إقبال الفرس على اعتناق الإسلام بكثرة هائلة خلق للولاة الأمويين مشكلة مالية ، فقد تناقصت الجزية بإعفاء المسلمين الجدد منها - كما تقضي بذلك تعاليم الإسلام - هنا وقع الولاة في خطأ فاحش حيث أداهم حرصهم على جباية الأموال إلى إبقاء الجزية على المسلمين الجدد ، وهو الأمر الذي بقي إلى أن ألغاه عمر بن عبد العزيز ( 99 - 101 ه ) فأمر برفع الجزية عن المسلمين الجدد ، وصاح في الولاة صحيته المشهورة قائلا : « قبّح اللّه رأيكم ، إن اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلم هاديا ولم يبعثه جابيا » « 3 » . المهم أن معاوية آثر نشر الإسلام والتمكين له في البلاد المفتوحة - خاصة بلاد فارس - على فتح مزيد من الأرض ، ولقد أثبتت الأيام ووقائع التاريخ صحة وسلامة تلك السياسة وأصبحت بلاد فارس كلها إسلامية ، وستقوم بدور رئيسي ورائد في فتح بلاد ما رواء النهر . * بلاد ما وراء النهر قبيل الفتح الإسلامي : بلاد ما وراء النهر ؛ تعبير أطلقه الجغرافيون والمؤرخون المسلمون على المنطقة المحصورة بين نهري ، جيحون - آموداريا - في الجنوب ، وسيحون - سرداريا - في الشمال ، وتقع تلك البلاد في شمال شرق الدولة الفارسية القديمة ، وسكانها من العنصر التركي الذي انحدر إليها من الشرق منذ القرن السادس الميلادي وكونوا لهم عدة ممالك مستقلة فيها . وأهم مصدر حديث يمدنا بمعلومات قيمة عن سكان ما وراء النهر ، هو دراسة المؤرخ الروسي الأستاذ / بارتولد المتخصص في تاريخ الترك في آسيا الوسطى ، والذي اعتمد بدوره على آثار أرخون ، التي يعتبرها أهم مصدر في الكشف عن ظهور الترك في آسيا الوسطى ، يقول عنها : « ومن الآثار التي تهم صاحب الدراسات التركية ، وتهم المؤرخ أيضا آثار أرخون ، وهي تخلد أقدم ذكر للسان التركي ، وقد اكتشفت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ، وهي أهم

--> ( 1 ) انظر البلاذري - فتوح البلدان ( ص 507 ) . ( 2 ) توماس آرنولد - الدعوة إلى الإسلام ( ص 238 ) . ( 3 ) انظر ابن عبد الحكم - فتوح مصر ( ص 107 ) .